مجمع البحوث الاسلامية

252

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

درجة ، وأنّه وعدهم جميعا بالحسنى ، وثالثا : بأنّه فضّل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ، ثمّ فضّلهم عليهم درجات . فيبدو أنّ اللّه استمال هؤلاء القاعدين وداراهم في موضعهم من الإيمان حتّى لا ييأسوا بتاتا ، فرقا بينهم وبين المنافقين ، فالتّدرّج في بيان فضل المجاهدين فيه حكمة ، وهي التّعاطف مع القاعدين غير أولي الضّرر ، وفرقا بينهم وبين القاعدين الّذين جاء وصفهم في ( 24 ) : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ . . . . 2 - لقد كرّر فيها كلّ من المجاهدين والقاعدين ثلاث مرّات : مرّة رفعا وقدّم فيها القاعدون تعاطفا معهم ، ومرّتين نصبا مع تقديم المجاهدين تفضيلا لهم على القاعدين : مرّة بدرجة ، ومرّة بدرجات . وقد ذكروا في النّصوص وجوها لاختلاف « درجة ودرجات » ، لاحظ : « د ر ج » . 3 - وقد جاء في شأن نزول هذه الآية ما تقدّم في النّصوص ، كما جاء في التّفاسير معنى غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ لاحظ : « ض ر ر ، وف ض ل ، وق ع د : قاعدين » . تاسعا : جمع اللّه بين الجهاد والصّبر في 3 آيات ( 5 و 10 و 35 ) إعلاما بالملازمة بينهما ، لاشتمالهما على تحمّل المشقّة والجهد روحا وجسدا وظاهرا وباطنا ، وعلى الإخلاص والصّدق عملا وخلقا . ففي ( 5 ) : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وفي ( 35 ) : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وفي ( 10 ) : ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا وفيها بحوث : 1 - قدّم الجهاد فيها على الصّبر ، لأنّ الجهاد والقتال بدء أوّلا بلا مشقّة أو بقليل منها ، ثمّ يواجه دوامه المشقّات ، ولا يدوم إلّا بالصّبر عليها ، فالصّبر تبع لدوام الجهاد ولمواجهة المشقّات . 2 - جاء ( 5 و 35 ) كلاهما جمعا بلفظ ( الصّابرين ) فيهما ، وبلفظ ( المجاهدين ) في ( 35 ) وهما مشعران بدوامهما حتّى كأنّهما - أي الجهاد والصّبر - صارا طبيعة لهم وبلفظ الَّذِينَ جاهَدُوا في ( 5 ) أي من يجاهد في قبال من لا يجاهد . ولكن السّياق فيها دالّ على الدّوام والثّبات أيضا . 3 - جاء فيهما الجهاد والصّبر عقيب الابتلاء صريحا أو إيماء ، ففي ( 35 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وفي ( 5 ) : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ . 4 - الابتلاء عند النّاس لتحصيل العلم بالشّيء ولكنّ اللّه عالم بالأشياء قبل تحقّقها . فالعلم هنا ليس عن جهل ، بل هو تعبير عن تحقّق علمه الأزليّ بالفعل ، ولهذا قالوا : إنّ العلم في أمثالها من اللّه هو تحقّق للمعلوم خارجا ، لا حصول العلم له بعد الجهل به ، لاحظ « ع ل م ، وب ل ي : ابتلاء » . 5 - الابتلاء وكذا الدّوام مستفاد من ( 10 ) أيضا سياقا ؛ حيث أعلن فيها بأنّ اللّه بوصفه ربّك - وهذا اللّفظ دائما دالّ على نهاية لطفه تعالى بالنّبيّ عليه السّلام - يواجه بكلّ خير الّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا ، إلّا أنّ سوقها حكاية للماضي ، فأتى بكلّ من الهجرة والجهاد والصّبر بلفظ الماضي ، مشعرا بأنّها جميعا صدرت عن صدق إيمانهم وثبات عقيدتهم ، وأنّ لهم قدم